1943 للإنتداب حطينا نقطة عالسطر : معمودية الدم في سبيل الاستقلال
أقرت سلطات الانتداب التعديل الدستوري و نفذت تهديدها اذ عتقلت في صباح 11 تشرين الثاني 1943 رئيس الجمهورية و رياض الصلح وبعض أعضاء وزارته و على الفور اعلم بيار الجميل بالأمر و كانت الساعة الرابعة من فجر يوم الخميس 11 تشرين الثاني 1943 . وكان الرئيس رياض الصلح اوفد تقي الدين الصلح لابلاغ الجميل بالامر ولكي يأخذ رئيس الكتائب التدابير التي يراها مناسبة.
دعا الشيخ بيار الى اجتماع لاركان حزب النجادة في منزله و توحدت الكتائب مع النجادة بقيادة بيار الجميل الذي دعا الى اضراب عام حتى الافراج عن رجال السلطة الشرعية. و كانت الكتائب احتطات للأمر فأعدت الخطط لتنظيم الاضرابات و التظاهرات . فعند الساعة السادسة صباحا راح الجميل و الياس ربابي يتجولان في الاحياء الغربية للعاصمة حيث كانت تتعالى أصوات الجماهير هاتفة باسم الكتائب.
و مع بداية الاضراب أخذت مختلف الكتل و الهيئات تؤم بيت الكتائب مبايعة الشيخ بيار و كان من بين الوافدين من لم يتفق يوما مع الكتائب في طروحاتها فكان على الكتائب أن تحارب على جبهتين : جبهة السلطات العاملة على فك الاضراب و جبهة الأصدقاء خوفة من المفاجات غير المستحبة.
السراي الصغيرة حاولت مفاوضة الكتائب فأبى بيار الجميل مجرد التفكير في المباحثة .و انما ازاء الحاح بعض الاصدقاء رضي بيار الجميل بأن يجتمع بريمون ادة و لكن الاجتماع انتهى و كل فريق ملتزم جانب رأيه فبيار الجميل يريد الاستقلال التام و ادة يصر على الالتحاق بفرنسا.
و بينما كان بيار الجميل يتجول في احياء الجميزة أطلق عليه أحد عمال الأمن العام الفرنسي عدة رصاصات قصد اغتياله فأصابته منها واحدة في كفه اليسرى و نجا من الموت بأعجوبة.
و عند الساعة الحادية عشرة من 12 تشرين الثاني 1943 جاء مدير الشرطة في ساحة الشهداء عارف ابراهيم الى بيت الكتائب و أبلغ بيار الجميل أن المسيو غوتيه مدير الشرطة يرغب في التحدث اليه , فقام الجميل و الياس ربابي بزيارة مكتب غوتييه في الصنائع و ما كان الجميل و ربابي يصبحان في بهو مقر الامن العام حتى احاط بهما نحو ثلالثين جنديا من السنغاليين و أوقفوهما.
ظل الجميل و ربابي قيد الاعتقال حتى فجر 22 تشرين الثاني. و فور اعتقال الجميل و ربابي انتقلت القيادة الى جوزف شادر و ازداد الكتائبيون حماسة و اندفاعا في مقاومتهم.و قام شباب الكتائب بالسهر على حسن سير الاضراب في المناطق الشرقية لاسيما الجميزة و شباب النجادة تولوا المهمة في المناطق الغربية لا سيما البسطة. و هنا لا بد من الاشارة الى مظاهرة نسائية حاشدة قامت بها سيدات الكتائب وقادتها لور مغيزل.و اتخذ الشباب من بيت الكتائب مركزا عاما يرتاده الشعب بالألوف و يتزود منه التعليمات في سلوك المقاومة الى أن قامت سلطات الانتداب باقفاله.
و في بشامون التحق فيليب البستاني مع عشرين كتائبيا من فرقة دير القمر بالحرس الوطني و قام جوزف سعادة و عبدو صعب بوظيفة ضابط ارتباط ما بين حكومة بشامون و الأجهزة الادارية في بيروت.
و قد تكون أكبر خدمة أدتها الكتائب للبنان في هذه المحنة هي و قوفها بوجه الاشاعات و محاولات التفرقة اذ عمد عملاء الانتداب الى اذكاء نار الفتنة الطائفية.
ليل 21_ 22 تشرين التاني قام جوزف سعادة و عبدو صعب بحمل العلم اللبناني الاول الذي كان للكتائب الدور الاول في تصميمه و انجازه الى بشامون .و هنا لابد من الاشارة الى انه يوم الخميس 11 تشرين الاول 1943 وافق النواب على صيغة العلم اللبناني التي اقرت في صيدلية الجميل . و في اجتماع عقد في بيت الكتائب مساء 11 تشرين الثاني كلف الكتائبي سامي الدحداح اخراج العلم فتدبر القماش الضروري لصنع أول علم لبناني الذي خاطته السيدة جنفياف الجميل وزوجة الكتائبي فيليكس حبيقة و رسم سامي الدحداح الارزة عليه.
و في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الاحد الواقع في 21 تشرين الثاني 1943 تسلمت الحكومة اللبنانية الشرعية في مقرها المؤقت في بشامون من أيدي شباب الكتائب و النجادة العلم اللبناني الجديد . فرفع العلم و مر أمامه الحرس الوطني و هم ينشدون النشيد الوطني اللبناني.
وتحت و طأة الضغط الشعبي و الأوضاع الاقليمية الضاغطة تم اطلاق سراح رجال الاستقلال و نال لبنان استقلاله الاول في 22 تشرين الثاني سنة 1943.
1958... للتبعية حطينا نقطة عالسطر : مقاومة حتى النصر
تعتبر ثورة ال 1958 من أبرز المحطات التي اعطت الكتائب زخما شعبيا على الساحة اللبنانية عموما والمسيحية بنوع خاص و حولتها الرقم الصب في المعادلة السياسية بعد ان قلبت المعادلة و حافظت على الكيان.انطلقت شرارة تكل الثورة مع اغتيال صاحب ورئيس تحرير جريدة التلغراف نسيب المتني ليلة الثامن من أيار 1958 .
يقول الكتاب الاسود الذي صدر في دمشق بعد الانقلاب على الوحدة السورية المصرية ان المخابرات السورية كانت ضالعة في عملية الاغتيال و هذا ليس مستبعدا باعتبار أن هذه الأجهزة لعبت دورا أساسيا في شتى مراحل الفتنة تحريضا و توريدا للاسلحة عبر الحدود اللبنانية السورية وزرع العبوات و تصديرالعملاء. حتى ليصح القول ان هذه الاجهزة كانت متعهدة تحويل النزاع اللبناني اللبناني الى ثورة, فتغيير أوضاع سياسية و دستورية تقذف بلبنان الى أحضان سوريا المتحدة بدورها مع الناصرية و دم نسيب المتني في هذه الحال يعد رخيصا بالنسبة لهم , أو على الاقل مفيدا في اطلاق الثورة المرتجاة.
و بالفعل هذا ما حصل فقد ثار المعارضون و دعوا الى الاضراب العام استهجانا و استنكارا متهمين الحكم بالاغتيال.
وكانت تقارير المعارضة ورجال المخابرات السورية الى عبد الناصر تشير كلها الى ان شمعون و الحكم لن يصمدا اكثر من ثلاثة أيام.
الا ان الحقائق عاكست التوقعات فالاضراب لم يكن شاملا و الكتائب كانت ضد هذا الاضراب الذي هو في الحقيقة محاولة انقلابية . يومها نزل الكتائبيون الى الاسواق في العاصمة لمنع التعديات على المتاجر والمصارف التي كانت في معظمها ضد الاضراب . و نزول الكتائب الى الساحة بدد الصورة التي رمى المعارضون الى تقديمها عن انفسهم. والاضراب لم يلقى الصدى الا في بعض الاحياء الاسلامية أما الاحياء المسيحية فقد استمرت الحياة فيها عادية جدا .
هذه كانت بداية المقاومة التي شنتها الناصرية على لبنان على مستوى السلطات الشرعية كما على مستوى الشارع . والكتائب اثبتت ان الشارع ليس حكرا على احد في و قت لم يكن هناك اي قوة سياسية باستثناء الكتائب ترد على التحدي. اذا كان لابد من أن تكون الكتائب في المواجهة, و لو تركت الحكم لوحده لكان بقي و حيدا لا يملك الا شرعيته الدستورية في وقت لم يكن فؤاد شهاب قائد الجيش يومها على وفاق تام مع الرئيس شمعون .
في هذا الوقت كان الاحتكام الى السلاح قد بدأ على أيدي المعارضين الذين تحولوا الى ثوار و عمت الاضرابات المناطق الاسلامية أما مصدر السلاح و كيومنا هذا كان بالطبع سوريا و كان يشرف عليه وزير الداخلية في حكومة الوحدة عبد الحميد السراج .
الاسلحة كانت تصل عن طريق طرابلس حيث صادرت القوى الامنية شاحنة قادمة من الحدود السورية و تحمل ترسانة أسلحة منها 188 رشاشا و 180 بندقية و عدد من قذائف الانيرغا التي شاع استعمالها في ذلك الحين . حتى ان بعض الجهات الديبلوماسية جندت نفسها لخدمة الثوار فقد وظف القنصل البلجيكي في دمشق حصانته الديبلوماسية في خدمة المخابرات السورية بعد انفجار النزاع بايام لنقل كمية من الاسلحة و الذخائر في سيارته الديبلوماسية عبر الحدود المشتركة و معها رسالة موجهة الى من يعنيهم الامر في بيروت توصي بزرع المتفجرات في انحاء مختلفة من المدينة و اقامة حواجز التفتيش و اغتيال بعض اللاجئين السياسيين السوريين.
اذا تحول الاضراب السلمي بعدما أفشلته الكتائب الى زرع عبوات في حافلات التراموي و في الاماكن التي نعج بالمارة و الهجوم على مراكز الشرطة التي تمثل الشرعية.
في هذا الوقت كان قد شاع ان اللواء شهاب الحائر بين واجب الدفاع عن الشرعية و امن الدولة من جهة و خطر تعريض المؤسسة العسكرية للاهتزاز من جهة ثانية عازم على الابتعاد عن الساحة وتلافي الاحراج الذي قد يقع فيه اذا ما طلب رئيس الجمهورية تدخل الجيش بشكل او باخر و ما اشبه تلك الاحداث بالسابع من أيار الماضي فهل التاريخ يعيد نفسه أم نحن نرتكب الاخطاء نفسها ؟
1958 ... للتبعية حطينا نقطة عالسطر : المارينز في بيروت و أبو الحن شهيدا
كانت الولايات المتحدة الاميريكية في هذا الوقت تراقب ما يحصل في لبنان و عندما رأت أن المد السوفياتي اخذ في الاشتداد على مستوى المنطقة كلها تحركت بانزال بحري لقوات المارينز على الشاطئ اللبناني و ترافق ذلك مع نزول جوي في الاردن للمظليين البريطانيين .في هذا الوقت كان الشيخ بيار حريص على تلافي كل ما من شأنه الاساءة الى مشاعر المسلمين و طلب على الفور من المشرف على صوت لبنان الكتائبية التزام الموضوعية في نقل و قائع الانزال الاميريكي البحري .
الانزال الاميريكي أحدث نوعا من المعادلة بين الطرفين المتنازعين وبدأت و كما في كل مرة ملامح التسوية ترتسم في الافق و كأن لبنان محكوم بالتسويات المؤقتة و بالخلافات الدائمة و دائما الشعب هو من يدفع الثمن لا بل الاثمان الباهظة.
و كما في كل تسوية تتجه الانظار الى الجيش , و لم يكن هناك افضل من فؤاد شهاب لتولي المهمة الصعبة و قد فسر البعض سلوك شهاب خلال الازمة و كانه تحضير للمنصب الرفيع بل قيل انه كان ضالعا في بعض فصوله للوصول الى حيث يكون هو الحل و التسوية.
الولايات المتحدة كانت من جملة من يفتش عن البديل مع اقتراب نهاية ولاية الرئيس شمعون و انها ايضا قد توصلت الى تفاهم مع القاهرة حول شخصية البديل . انه اللواء شهاب الذي يملك ما يؤهله لاحياء السلطة الوطنية و احلال الامن و السلام .
في 31 تموز أي بعد اسبوعين على الانزال الاميريكي انتخب شهاب رئيسا للجمهورية و في الثالث من أيلول أقسم اليمين الدستورية وتسلم السلطة من الرئيس كميل شمعون الذي غادر قصر القنطاري عند اخر ساعة من ولايته. و لكن بدلا من ان يتوجه الرئيس شمعون الى منزله قصد بيت الكتائب في الصيفي ليزور صديقه الشيخ بيار و يشكره على موقفه من الاحداث الجارية لا شفهيا فقط بل ايضا كتابة في رسالة يشهد فيها للكتائب .
يوم التاسع عشر من أيلول تبلغ الشيخ بيار في بيت الكتائب خبر اختطاف فؤاد حداد الكاتب الرئيسي في جريدة العمل الكتائبية و قيل انه كان متوجها الى مكتبه في الاونيسكو عندما اقتاده مسلحون من هناك الى مكان مجهول و بقي مصيره مجهولا و لكن عرف لاحقا ان تصفيته تمت بسرعة تلافيا لاي مسعى أو ضغوط لاطلاقه.كأن ثمة قرار باعدامه ليكون عبرة لكل من تسول له نفسه التعرض لعبد الناصر.
و كأن قدر الكتائب أن تقدم الشهداء في كل محنة يمر بها الوطن فكان ابو الحن شهيدها في ثورة 1958 لا بل في نهاية تلك الثورة التي انتهت و بحسب التقليد اللبناني بتسوية بين كل الاطراف و بالتأكيد بصيغة لا غالب و لا مغلوب .
1975 : للتوطين... حطينا نقطة عالسطر : وبقيت زحلة قلعة كتائبية
أحيانا تشكل التواريخ في حياة الأوطان و الشعوب حدا فاصلا بين مرحلة و أخرى.
الثاني من نيسان من العام 1981 من ضمن تلك التواريخ حيث أن الدماء البريئة التي أريقت في شوارع بيروت الشرقية و على ابواب مدارس الاطفال و في الملاجئ المظلمة التي ينام فيها المدنيون الامنون في زحلة كانت أكثر من كافية لكي تشبع الارض دماء و لكي يشبع الصبر شهداء و لكي يقرر اللبنانيون من القاعدة الى القمة أنهم ليسوا نعاجا تذبح على مذبح الراجمات بل قرابين تقدم على مذبح الله و الوطن و ليسوا مجموعة من الامنيين تساق الى مسلخ القتل على يد أبشع الجاهليات و أكثرها دموية في التاريخ بل مسيحيين يشهدون لايمانهم ولقضيتهم التي جسدتها كتائبهم .
الثاني من تموز 1981 كانت زحلة دار السلام على موعد مع الحقد والكراهية الذي انهال عليها بوابل من القذائف و القنابل التي انهارت من كل حدب و صوب و السبب و احد هو ان المدينة بقيت قلعة كتائبية عصية عليهم و الهدف كان و احدا وهو اقتلاع الكتائب من المدينة.
حقل التجارب كان بناية العبسي و هو عبارة عن مبنى ضخم كان يلجأ اليه السكان في المدينة للاحتماء من نار القذائف و الصواريخ معتقدين أن ضخامة ذلك المبنى ستحميهم من نار الحقد المشتعلة و لكن القذائف السورية كانت اذكى يومها فدمرت المبنى بشكل كامل على من فيه. عائلات بأكملها أبيدت تحت الركام , عشرات الاطفال و النساء استشهدوا هناك و هم ينتظرون النصر الاتي.
كان ذلك في 2 نيسان 1981 قبل عناقيد الغضب و قبل قانا 1 و قانا 2 و قبل تموز 2006 كانت لنا زحلة 1981.
احفظوا هذا التاريخ جيدا 2 نيسان 1981 و تذكروا دائما هذا الشعار: "مقبرة جماعية للابرياء في مبنى العبسي." كي لا ننسى .
في هذا التقرير سنتذكر قديسة شهيدة من لبنان هي الأخت ماري صوفي الزغبي التي عملت و بقيت بالقرب من أهالي زحلة و مقاتلي الكتائب في أحلك الظروف و ظلت على مدار ايام المحنة تحاول تأمين الحليب للأطفال عن طريق ترشيش فكانت تذهب تسللا أحيانا و في الليل للحصول على علبة حليب تسكت صراخ طفل جائع و ذلك بعدما منعت القوات السورية سيارات الصليب الاحمر من الوصول الى قلب المدينة .
عندما كانت تصل الى ملجأ بناية العبسي كانت تنشر الفرحة و البهجة بين الاطفال و كانت تعطيهم الدعم المعنوي للصمود و كانت تصل محملة بما تيسر لها من حاجيات و مواد غذائية كما كانت تعمل على توجيه النساء و الفتيات في تلك المرحلة الصعبة للتكيف مع الوضع.
و بعد الزيارة الشبه يومية للملجأ كانت تنتقل الى مستشفى الخوري في زحلة حيث كانت تساعد الجرحى و تسهر على راحتهم , أما الكتائبيون فيذكرونها عندما كانت تخيط الاعلام و البيارق ابان المهرجانات التي كانت تشهدها زحلة و اثناء زيارة البشير الى المدينة.
في 2 نيسان أكثر من عشرة جرحى في مستشفى زحلة كانوا معرضين للموت الاكيد و المحتم لانهم كانوا بحاجة للدم و ما من احد كان يستطيع حتى الخروج من المبنى بسبب القصف المركز على المدينة , وأمام هذا الواقع ما كان من الاخت ماري الا أن خاطرت مع ممرضين مسلمين هما خليل صدح و سليم حمود و استقلا سيارة الصليب الاحمر و ذهبوا الي بعلبك لاحضار كمية من الدم.
و لدى عودتهم الى زحلة أوقفتهم عصابات المسلحين و بعد ان تعرفوا الى هوياتهم صوبوا نيران حقدهم على الاخت ماري فأصيبت بطلق ناري في وجهها و اخر في صدرها و اخر في بطنها , كما تمت تصفية الممرضين على الفور.
التقرير الطبي و ضعه الدكتور الجراح مرسيل برنس بعد الكشف على الجثة و جاء فيه:" لدى معاينة جثة المرحومة الاخت ماري صوفي الزغبي تبين انها مصابة بطلق ناري من سلاح حربي في الوجه من الجهة اليسرى و قد خرجت القذيفة من الناحية الثانية,و انها مصاية أيضا بطلقات عدة من سلاح حربي في الصدر و البطن ."
كان هم الاخت ماري صوفي الزغبي أن تحمل صليب الوطن الجريح وتمشي درب جلجلته عسى أن يطل فجر القيامة و ينتصر على الدمار والموت .
استذكار شهادة الاخت ماري ليس من باب نكئ الجراح بل من باب الوفاء لشهداء قديسين عشوا أبشع التجارب لتبقى زحلة حرة و ليبقى لبنان و طن الشهداء و القديسين .
1975 ... للتوطين حطينا نقطة عالسطر : طريق فلسطين لم تمرّ من جونيه
قبل 13 نيسان التاريخ الرسمي لاندلاع الحرب اللبنانية كانت النفوس مشحونة و الكل كما يقال في لغتنا العامية واقف على سلاحه لكن من المؤكد أن أحدا لم يكن ليتصور أن تلك الازمة ستتطور و تمتد الى أكثر من 15 سنة.
بداية طريق الجلجلة بدأت في عين الرمانة يوم 13 نيسان 1975 بالقرب من كنيسة سيدة الخلاص هناك سقط أول شهيد لبناني و كان كتائبيا انه جوزف أبو عاصي.
باختصار هذا ما حصل في ذلك اليوم:"باص يقل عددا من الفلسطينيين كان يمر في عين الرمانة أطلق عليه الرصاص و أسفر الحادث عن 30 قتيلا 26 قتيلا فلسطينيا و شهيدان كتائبيان و شخصان اخران.
وبدأ التوتر يتصاعد بعد ساعات قليلة و كأنما كل شئ كان محضر سابقا .عبوات ناسفة , مدافع و صواريخ في مناطق عين الرمانة وفرن الشباك و الشياح و الدكوانة و حوادث ضد المسيحيين في طرابلس وصيدا و بعلبك ."
سياسيا أعلن حزب الكتائب أن سيارتين صغيرتين افتعلتا الحادث . المقاومة الفلسطينية اتهمت الكتائب بافتعاله و عقدت ما يعرف بلجنتها التنفيذية اجتماعا ووجه عرفات في نهايته برقية الى الملوك و الرؤساء العرب يشرح فيها موقفه من ماجرى فيما دعت الحركة الوطنية الى حل الكتائب و طرد وزيريها من الحكومة ( جورح سعادة و لويس أبو شرف) و مقاطعة الحزب و طنيا و سياسيا . في هذا السياق لا بد من الاشارة الى ما يتناساه بعض المؤرخين الذين يدرسون تلك الحقبة وهي الزيارة التي قام بها الامين العام للجامعة العربية محمود رياض الى بيروت ليل 13 14 نيسان و الرسلاة التي أبلغها للرئيس المصري انور السادات و مفادها بأن هناك طرفا ثالثا مجهولا يسعى الى التخريب و ان هذا الطرف معاد للعرب و لبنان و للقضية العربية. في غضون ذلك كانت مساعي التهدئة أثمرت في 16 نيسان اتفاقا لوقف النار و اتفاقا اخر يقضي بتسليم الكتائب اثنين من المطلوبين في حادثة عين الرمانة.سادت أجواء الهدوء النسبي لنحو شهر تقريبا و كثر الحديث عن ضرورة استقالة الحكومة التي كان يترأسها رشيد الصلح خاصة ان وزراء ثلاثة قدموا استقالتهم منها و هم مالك سلام و الوزيران عباس خلف و خالد جنبلاط . وفي ال 17من أيار قدم الوزيران الكتائبيان جورج سعادة و لويس أبو شرف استقالتهما و تضامن معهما و زرارء حزب الأحرار ميشال ساسين نديم نعيم و محمود عمار و تبعهم الأمير مجيد ارسلان و بذلك أصبح نصف أعضاء الحكومة مستقلين .
الصلح رفض الاستقالات و حمل في جلسة للمجلس النيابي مسؤولية حادثة عين الرمانة الى الكتائب و كرر رفضه تدخل الجيش لحل المشاكل الأمنية و حسم الوضع.
الرئيس المؤسس رد في مؤتمر صحافي متهما رئيس الحكومة بالعمل على خلق فتنة في البلاد و بتعمده افراغ السلطة من محتواها و زعزعة مقوماتها بالتواطؤ مع جهات خارجية و داخلية معروفة متحينا الفرص لقلب نظام الحكم في لبنان.
في هذا الوقت كان الرئيس شمعون يضغط على رئيس الجمهورية لتشكيل حكومة يرأسها سني يكون راغبا في انزال الجيش من زاوية مفهوم يحصر الأزمة بأزمة الحكم في و قت رأت الحركة الوطنية أن الأزمة هي أزمة حكم و نظام.
في 18 أيار عادت الاشتباكات لتأخذ طابعا أعنف بعد توسع رقعتها
و أخذت طابع الاقتتال الطائفي خاصة على محور الشياح عين الرمانة . الرئيس فرنجية عين في هذه الأثناء العميد اول المتقاعد نور الدين الرفاعي رئيسا للحكومة على رأس حكومة عسكرية. رحب الشيخ بيار و الرئيس شمعون بهذه الخطوة فيما عارضها صائب سلالم و رشيد كرامي الموالي تاريخيا لسوريا و من ثم لمنظمة التحرير كما عارضها ايضا ريمون ادة و رشيد الصلح و كمال جنبلاط.
عقد اجتماع كبير في دار الفتوى ضم الى المفتي حسن خالد الامام موسى الصدر و شيخ العقل محمد أبو شقرا و جميع رؤساء الحكومات و الوزراء السابقين و رؤساء الهيئات الذين اجمعوا على رفض الحكومة و زج الجيش في الأحدات .و بعد الاجتماع توجه جنبلاط الى القصر الجمهوري ليبلغ الرئيس فرنجية باسم التجمع الاسلامي القرار الذي توصل اليه التجمع و صادف هناك عبد الحليم خدام و وزير الخارجية السورية و اللواء ناجي جميل ووزير الدفاع السوري,
و اجتمع بهما و بالرئيس فرنجية و كان الخدام و جميل قد نقلا رسالة من الرئيس الأسد الى الرئيس فرنجية.
البطريرك خريش التقى وفدا من دار الفتوى و من ثم اتصل بالشيخ بيار و بالرئيس شمعون.
و في 26 أيار 1976ترأس الرفاعي مجلسا وزاريا قدم فيه استقالة حكومته التي أعتبرت اول حكومة عسكرية في تاريخ لبنان و أقصر حكومة لانها عاشت 65 ساعة فقط.
بعد الاستقالة بدأ الرئيس فرنجية سلسلة استشارات لتكليف رئيس للحكومة و كان و قع الاختيار على رشيد كرامي.
و في 28 أيار كلف الرئيس فرنجية كرامي و في القصر التقى كرامي بالشيخ بيار و من ثم اتصل بسلام و ادة و جنبلاط و عرفات و تمنى على رئيس منظمة التحرير العمل على ازالة المعالم المسلحة من الشوارع و الاحياء و قال كرامي ان رئيس الكتائب سيتولى رفع الحواجز و مظاهر السلاح من المناطق المسيحية.
1976 للتوطين ...حطينا نقطة عالسطر : لبنان في الجحيم و الكتائب تقاوم
الحرب في كل مكان , محور الشياح عين الرمانة تحول الى محرقة تقضي على الاخضر و اليابس فيما تحولت الاشرفية الى ما كان يعرف ابان الحرب بمستشفيات الميدان لكثرة القتلى و الجرحى . أما سياسيا فالقاءات كانت تتكثف و الاجتماعات كانت مفتوحة لكن على الارض الزضع بقي على حاله حتى صباح 30 حزيران 1975 حيث توافدت معظم الشخصيات المارونية الى قصر بعبدا و تبعهم رشيد كرامي و تقي الدين الصلح و صائب سلام و كامل الأسعد و تصالح رشيد كرامي مع الرئيس شمعون بعد خصومة استمرت 17 سنة و حضر الاجتماع عبد الحليم خدام .
اجتماع بعبدا أدى الى تشكيل الحكومة التي عرفت و كالعادة بحكومة الاتحاد الوطني و خفت حدة العنف في بيروت و انتقلت الى بلدة القاع البقاعية . بقي الوضع على حاله من 1975 حتى 1976 اشتباكات قتلى و جرحى خوف و حذر ... في 14 كانون الثاني سيطرت الكتائب على مخيم تل الزعتر الذي كان يأوي الارهابيين وأخذ عرفات يبرق الى الملوك و الرؤساء العرب متهما الجيش اللبناني بمساعدة الكتائب والاحرار على اجتياح المخيم لكن الرد على سقوط مخيم الضبية كان بهجوم على بلدة الدامور و ذبح اطفالها و نسائها و شيوخها و تهجير اهلها على يد قوات اشتراكية من ما كان يعرف بالحركة الوطنية .
فجر الثلاثاء 20 كانون الثاني 1976 اعلن وزير الداخلية كميل شمعون أن قوات سورية دخلت لبنان من جهتي البقاع و الشمال و هي مجهزة بالاعتدة و المدافع و طالب شمعون الصحافة العالمية بأن تتناول الخبر و طلب من مندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة أن يبلغ مجلس الامن عما يحدث في لبنان . كان ذلك بمثابة الانذار الاول لدخول جيش الاحتلال السوري الى لبنان .
انقلاب الاحدب
في تلك الفترة صوبت ما كان يعرف بالحركة الوطنية سلاحها باتجاه الجيش اللبناني و اتهمته بمساعدة اليمين المتطرف و تحديدا الكتائب. وفي 10 اذار 1976 أذاع العقيد جورج غريب بيانا طالب فيه بحكومة متوازنة و عفو عام عن العسكيين باستثناء الذين ارتكبوا جرائم . ووقع ضباط عريضة تطالب بتطبيق القانون على جميع العسكريين الذين يخالفون أنظمة الجيش ... في هذه الأثناء كانت بدأت ثكنات الجيش تنهار في أيدي ما كان يعرف بجيش لبنان العربي و أحزاب الحركة الوطنية. هذا الأمر خلق حالة من الغليان في صفوف الجيش ووردت أنباء تفيد بأن قائد الجيش و جه انذارا الى رئيس الجمهورية يطلب منه الاستقالة و عند الثامنة مساء ظهر العميد الاول الركن عزيز الاحدب يتلو بيانا يطلب فيه من الحكومة اللبنانية الاستقالة خلال 24 ساعة و الا اعتبرت مستقيلة و يطلب من رئيس الجمهورية ايضا الاستقالة و اعلن حالة الطوارئ في البلاد و طلب من القوات المسلحة اطلاق النار فورا على كل من تحدثه نفسه لبقيام باعمال شغب.
الرئيس شمعون كان اول من رفض هذه الحركة و لاقاه كمال جنبلاط الذي قال نحن ضد أي انقلاب عسكري.
أما الرئيس فرنجية فبدأ يستعد لمواجهة الموقف فأمر بالسيطرة على مبنى التلفزيون في الحازمية و على الاذاعة اللبنانية في عمشيت وأذاع بعد 45 دقيقة رسالة الى اللبنانيين يدعوهم فيه لمواجهة هذه الحركة.
الاحدب عقد مؤتمرا صحافيا في اليوم التالي أكد فيه انه غير طامح بأي منصب و بدأت الضغوط تنهال على رئيس الجمهورية للاستقالة .
2005 : للإحتلال...حطينا نقطة عالسطر :وكانت البدايات مع البشير
بدأ نجم بشير الجميل يلمع في سماء الوطن خلال حرب السنتين حيث شارك بمعظم المعارك ضد الارهاب الفلسطيني ان كان في الاسواق أو في تل الزعتر. في كل تلك المعارك و مع دخول القوات السورية الى لبنان أصبح البشير الشغل الشاغل للبنانيين فكان مالئ الدنيا و شاغل الناس .
كان يتجول في الازقة و الاحياء في المنطقة الشرقية يعطي الاهالي الدفع والمعنويات للصمود في و جه الة الحرب السورية الفلسطينية فأعطى القضية نبلها و معناها الحقيقي حتى ان الموت بات و اجبا في سبيلها. بعد الخول السوري عام 1977 و انحسار حدة المعارك بدات نظرية بشير للبنان الغد تتبلور أكثر فأكثر فراح يفتش عن حل جذري للازمة اللبنانية لا بل لقضية كل الوطن.
فيما كانت تغني فيروز للجنوب في قصر البيكادللي سنة 1978 كان الجيش الاسرائيلي يقوم بعملية و اسعة النطاق جنوب الليطاني و في هذه الاثناء كانت الخلافات الكبيرة بدأت بالظهور بين الرئيس سركيس وسوريا وبالتالي مع الجبهة اللبنانية,فأخذت الكتائب تستعد لمواجهة جديدة و من نوع اخر.
في التاسع من نيسان من العام 1978 عادت خطوط التماس في عين الرمانة لتشتعل من جديد و في 12 13 14 و15 نيسان سقط القناع عن و جه الشقيق و بدات القوات السورية تقصف المراكز الكتائبية و الأحياء السكنية في عين الرمانة و بدارو و تركز قصفها على مدرسة الفرير في فرن الشباك ماأدى الى سقوط أكثر من 60 قتيلا و أكثر من 250 جريحا.
و في نيسان أيضا و قع الانشقاق الكبير في الجبهة اللبنانية بين الشيخ بيار الجميل و الرئيس كميل شمعون و كل اعضاء الجبهة من جهة وسليمان فرنجية من جهة اخرى و السبب كما ادعى فرنجية ظاهريا كان التعامل مع اسرائيل علما أنه خلال حرب السنتين الكل كان يعلم أن مقاتلي فرنجية تلقوا السلاح من اسرائيل بعدما سدت كل المعابر بوجه مسيحي لبنان لكن السبب الفعلي كان التمدد الكتائبي في منطقة فرنجية.
انعكس هذا الاختلاف ميدانيا على الارض و بدات تصفية الكتائبيين في الشمال و تحديدا في منطقة زغرتا الزاوية التي امتد فيها حزب الكتائب كالشعاع و استقطب المئات من شبابها خصوصا في البلدات المحيطة بزغرتا الامر الذي شكل الخطر الاكبر على اقطاع ال فرنجية التاريخي في المنطقة و قالها فرنجية في احى مؤتمراته الصحفية :"لا اريد أن يمتد الفيروس الكتائبي الى منطقتي".
خلال أشهر نيسان و ايار تمت تصفية عدد كبير من الشبان الكتائبيين من كرم سدة و مزرعة التفاح و رشعين و كفرحورا و غيرها من البلدات على يد أزلام فرنجية و كان في كل مرة يطلب الشيخ بيار من المحازبين ضبط النفس و الهدوء لتسوية الاوضاع .
و في السابع من حزيران قام رجال فرنجية بقتل رئيس اقليم زغرتا الزاوية الكتائبي جود البايع في بنك البحر المتوسط في شكا الأمر الذي أحدث سخطا في صفوف الكتائبيين. كان لا بد من رادع لوقف تصفية الكتائبيين في الشمال فكانت عملية اهدن التي لا تزال زيولها تمزق المجتمع المسيحي حتى اليوم و التي أكد الشيخ بشير في مقابلات عدة انها كانت لاعتقال قتلة جود البايع الذين لجأوا الى قصر فرنجية في اهدن.
بعد ايام على عملية اهدن كان الانتقام من أهالي بلدة القاع حيث توجه اليها عناصر من القوات السورية و عناصر مما يعرف بتنظيم المردة واقتادوا 34 كتائبيا من بيوتهم و بينهم قاصرين و تمت تصفيتهم على حائط الكنيسة ليلا .
بعد احداث الشمال انقسم الجبل الماروني و رسمت خطوط جديدة لمرحلة جديدة ستستمر لسنين طويلة.
الاشرفية جبال الصوان القرن العشرين
في تلك المرحلة أصبحت المواجهة محتمة مع القوات السورية و اندلعت شرارة ما عرف بحرب الصمود أو حرب المئة اليوم التي يقول المحللون انها و معركة صمود زحلة أوصلا البشير الى رئاسة الجمهورية في 23 اب 1982.
في الاول من تموز بدأت الاشرفية تتعرض لقصف عشوائي من قبل القوات السورية و كانت اعتقلت قبل ايام بشير الجميل من ساحة ساسين. و ليل الثاني من تموز بدأت تسمع اصوات المدافع و بدأت عين الرمانة تتعرض لقصف سوري مركز .
وفي الثالث من تموز قصفت القوات السورية البيت المركزي للكتائب في الصيفي فهدم قسم كبير منه و نجا بعض اركان القيادة الكتائبية بأعجوبة.
القصف على المنطقة الشرقية لم يتوقف الا في السادس من ايار و هو اليوم الذي أعلن فيه الرئيس سركيس استقالته و لم يعد عنها الا في 15 تموز من دون تحقيق اي نتيجة .
في 22تموز عاد القصف السوري ليتركز على منطقة الحدث و أدىالى استشهاد المئات من المدنيين و كان المطلب السوري يتمحور حول اعادة انتشار قوات الردع العربية في المناطق التي تسيطر عليها الجبهة اللبنانية و الغاء الخطة الامنية التي كانت اعتمدتها الحكومة و التي كانت توكل الى الجيش الامن في المنطقة الشرقية.
اليوم الاعنف من حرب المئة اليوم كان السادس من اب فالاشرفية لم ولن تنسى ذلك اليوم الذي عاشته تحت جحيم النار السورية المشتعلة في كل مكان و خصوصا في محيط مستشفى اوتيل ديو و اذاعة صوت لبنان الكتائبية التي دمر قسم كبير منها لكن اثيرها بقي صامدا و كان يخرج صوت الاعلامية مي شدياق (و التي كانت في بدايتها الاعلامية) ليخبر عما تقوم به الراجمات السورية دون أن تنسى تذكير الصامدين أن هنا صوت لبنان صوت الحرية و الكرامة.
في 28 ايلول يوم رعب اخر عاشته الاشرفية نتيجة القصف السوري وطال القصف القرى المتنية لا سيما بكفيا و منزل الشيخ بيار الجميل تحديدا .
اثار عنف ذلك اليوم حركة ديبلوماسية دولية . فأعلن الرئيس الاميريكي عن اقامة مؤتمر حول لبنان و دعا الامين العام للامم المتاحدة لوقف القتال و الابادة التي يتعرض لها مسيحيو لبنان.
انما على الارض المعارك لم تتوقف الا في السابع من تشرين الاول بعد أن اصدر الرئيس الاسد امره بوقف القصف عقب ساعات من المناقشات التي اجراها مع الرئيس سركيس.
توقف القصف السوري و خرجت القوات السورية من المنطقة الشرقية ودخلت الاشرفية و عين الرمانة و فرن الشباك التاريخ من أبوابه العريضة من باب الصمود و الممانعة وولد لبنان الحر.